أحمد بن محمود السيواسي

133

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 3 إلى 4 ] إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 4 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ ) نزل مدحا فيمن خفض صوته عند النبي عليه السّلام مخافة أن يحبط عمله ، وهو ثابت بن قيس لأنه كان يرفع الصوت لديه عليه السّلام « 1 » ، أي أن الذين يخفضون ( أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ) إجلالا له ( أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ ) أي جرب وحقق ( اللَّهِ ) باختباره بالمحن والشدائد والاصطبار عليها « 2 » ( قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ) أي كائنة لها مختصة بها ، واللام للاختصاص أو « امْتَحَنَ » بمعنى أخلص ، من امتحن الذهب إذا أذابه ليتميز إبريزه من خبيثه ، يعني أخلص قلوبهم ونقاها من الشهوات إظهارا للتقوى وهي صد النفس عن مرادها السوء واللام للتعليل ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) لذنوبهم ( وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) [ 3 ] أي ثواب وافر في الجنة ، روي : أن وفد بني تميم أتوا رسول اللّه عليه السّلام قوت الظهيرة وهو راقد ، فجعلوا ينادونه يا محمد اخرج إلينا فاستيقظ فخرج فانزعج بهم ، فسئل رسول اللّه عليه السّلام عنهم فقال : « هم حفاة بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت اللّه عليهم أن يهلكهم » فنزل ذما « 3 » ( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ ) أي من خلفها ، جمع حجرة وهي أرض يحجر عليها بحائط ونحوه ، والمراد حجرات نساء النبي عليه السّلام ، فكل من جاءه من الأعراب ينادي من خلف حجرة منها ، وجمعت تعظيما لشأنه عليه السّلام و « مِنْ » لابتداء الغاية وخبر « إِنَّ » ( أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ 4 ] حرمة النبوة ، لأنهم نادوه من ظاهر الدار بجفاء وغلظة ، ففيه تنبيه على قدره والتأدب معه عليه السّلام لكل حال وهو أن يجلسوا على بابه ولا يدقوا عليه بابه حتى يخرج لقضاء حاجته احتراما له عليه السّلام . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 5 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا ) أي لو ثبت صبرهم ( حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ ) الصبر ( خَيْراً لَهُمْ ) وأحسن لأدبهم ويعلم من « حَتَّى » الدالة على الغاية المضروبة لصبرهم أن ليس لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليها ( وَاللَّهُ غَفُورٌ ) لمن تاب عن النداء من خلف الحجرة ( رَحِيمٌ ) [ 5 ] لمن أطاع الأمر ، وقيل : سبب نزول هذه الآية أن النبي عليه السّلام بعث أسامة بن زيد إلى قبيلة بني العنبر ليغزوها فأغار عليهم وسبى ذراريهم ، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراءهم ، فنادوه من وراء الحجرات بغلظة وكان وقت الظهيرة ، أي وقت القيلولة وهو راقد ، فلما خرج النبي عليه السّلام كلموه في أمر الذراري فقال لواحد منهم احكم أنت فقال حكمت أن تخلي نصف الذراري وتبيع النصف منا ، ففعل النبي عليه السّلام كذلك فنزل الآية تنبيها على أنهم لو صبروا لكان خيرا لهم « 4 » ، يعني لو لم ينادوه لكان النبي عليه السّلام يعتقهم كلهم . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 6 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) نزل حين بعث النبي عليه السّلام الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات ، فخرجوا إليه ليعظموه فخشي منهم لما كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية ، فرجع إلى النبي عليه السّلام هاربا وقال إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتلي ، فهم رسول اللّه عليه السّلام أن يبعث لقتالهم فجاؤوا إلى المدينة وقالوا : يا رسول اللّه لما بلغ خبر قدوم رسولك إلينا خرجنا أن نتلقاه بالتعظيم ، فرجع عنا ونحن خشينا أن يكون رده كتاب أتاه منك ، وإنا نعوذ باللّه من غضبه وغضب رسوله ، فاغتم النبي عليه السّلام بما فعل الوليد وأرسل إليهم بعد

--> ( 1 ) عن أنس بن مالك ، انظر البغوي ، 5 / 196 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 261 . ( 2 ) عليها ، ي : - ح و . ( 3 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 6 / 14 . ( 4 ) هذا مأخوذ عن السمرقندي ، 3 / 262 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 5 / 197 .